السّراب
بقلم: عابر سبيل
تراكم البخار على زجاج النافذة, فأضر بالرؤية.. تذكر مصيره المجهول وغموض غده..
كان الجو صحوًا طيلة النهار.. لم تبدُ في الفضاء أي شارة أو بشارة تنذر بالمطر.. فجأة تصدعت السماء بماء منهمر.. كأنها ملايين القِرَب اندلقت معًا.. مر في ذهنه ذلك النوع من النساء.. تكون الواحدة منهن في الأشهر الأخيرة لحملها,دون أن يكتشف الناظر, للوهلة الأولى على الأقل, أنها حامل أصلا..! أكانت السماء تبكي عليه, أم نيابة عنه..؟
ما أكثر الأشياء التي كانت في الأصل جميلة ونظيفة.. لكننا دنسناها بحماقاتنا, أو لفرط كبرياء زائفة فينا..!
جاءه سعال ضعيف مخنوق من الداخل.. أسرع نحو أبيه الراقد في سريره.. كومة من العظام .. رفع البطانية على جسد الشيخ .. وقع نظره على عينيه الغائرتين, فتمنى لو أنه كان يستطيع إعادة الزمن إلى الوراء وترتيب الأشياء من جديد..
مع السنين وجد عزاءه في حبه الأول .. فاطمة وحيدة الشيخ محمود..
ايه يا فاطمة ..
اقتحمت حياته بسهولة متناهية, لافتقاره وقتها لأي مناعة عاطفية .. لفلفته بمشاعر نقية غامره .. تمامًا كما يليق بعشق صبايا الريف اللواتي لم تشوّه الحضارة صدق مشاعرهن ..!
إلى أن كان يوم ..
حادثها على النت, ربما لشهرين .. فتن بشعرها الأصفر وعينيها الخضراوين .. دعته إلى بلادها بعد أن وعدته بحب وفير ورزق أوفر.. اعتقد أن طاقة القدر قد فتحت له, للهروب من حياة ليس مثلها إلا الموت..
توسل إليه أبوه ألا يسافر .. قال له أن كرم اللوز كبير, وان سنه وأمراضه لم تعد تسمح له بالعناية به.. ولكن ما تصوره فرصة العمر, حال بينه وبين الإصغاء إلى أحد..
وسافر.. دون أن يخبر فاطمة..

عاش مع ‘ فيرا’ ثلاث سنين .. زاول خلالها أعمالا كثيرة.. دنيئة وغير مربحه.. إلى أن كانت ليلة ضبطها, متلبسة, مع آخر.. وما إن احتج , حتى طردته من بيت أمها, الذي كانا يقيمان معها فيه..!
في الشارع .. مع القطط الضالة والمتسولين .. وجد نفسه يردد :
أين هذه الساقطة من فاطمة ؟ ..
تذكر وقت أوصاه أبوه ألا يسعى أبدًا للجلوس فوق القمم التي يسهل السقوط منها..
طرق الباب, حال وصوله في الصباح الباكر, فلم يفتح له أحد.. دفعه بقوة ودخل .. كان في البيت سكون رهيب .. جال في الغرف فخيل إليه أنه في مقبرة .. وصل أخيرًا حجرة نوم والديه, فوجد شبح أبيه في السرير .. لولا انه أبوه لما تعرف عليه, لفرط ما فعل الزمان به في سنين قلائل..
أخبره الشيخ أن أخته قد تزوجت وسافرت مع زوجها إلى كندا.. لم يعرفوا عنوانه وقتها كي يخبروه..
قال أيضًا إن اليهود قد جرّفوا أكثر من ثلثي أشجار اللوز.. بقيت بضع شجرات لم يتمكن , بسبب مرضه, من جمع ثمارها, فتركها للرعاة والعصافير..
انتظره كي يقول شيئًا عن فاطمة, إلا أن الشيخ عاد إلى صمته.. خجل أن يسأله .. تركه وراح يدخن عند النافذة.. محطمًا.. يائسًا.. موقنًا أنه قد خسر كل شيء.. كل شيء ..
في حوالي السابعة, سمع طرقًا قويًا على الباب.. حين فتحه, اندفعت إلى الداخل هاربة من المطر .. ومن عيون الآخرين ..
وقفت أمامه تجلل رأسها كبرياء الخاسرين .. كانت خصلات شعرها المبللة قد أضفت على وجهها سحرًا ملائكيًا, جعلها تبدو أجمل نساء الدنيا.. فهم حينها أن للحب قدرة أسطورية لإضفاء الجمالية حتى على الأشياء أو الأشخاص العاديين ..
تظاهرت أنها فوجئت بوجوده.. قالت : ‘ أنت هنا ..؟ جئت أتفقد الشيخ..’ واستدارت لتمضي ..
وجدت أقدامها ثقيلة كما لو كبلت بقيد .. تمنت لو يستبقيها أحد أو شيء, ولو كان الموت.. كانت ما تزال تحبه كما لم تحب امرأة رجلا.. تحس كأنها ولدت منذ الأزل لتحبه هو.. كأنه “مفصل على قدها”.. كما لو أنها لا تصلح, أو لا يصح أن تكون لغيره.. لكنها بكبرياء الأنثى تعرف أن المرأة قد تضحي بكل شيء لأجل رجل تحبه, لكنها قد تضحي به نفسه, لقضية تتعلق بكرامتها.. وكانت فعلته تقف بينهما كنهر من نار..
لا يعرف من أين جاءته الجرأة ليقفز بينها وبين الباب.. وقف هناك كالصنم.. حاول أن يعتذر .. أن يقول شيئًا .. ولكن هربت من على شفتيه كل الكلمات..
تمنى لو أنه يستطيع الانحناء لتقبيل قدميها.. أمّا هي فلم تكن محتاجة لكل هذا, لتغفر .. كانت تنتظر فقط بضع كلمات تساعدها لتحييد ضغط هائل تمارسه عليها كرامتها.. ولكن أنّى لمثله أن يفهم.. هو لم يكن من ذلك النوع من الرجال القادرين على إدراك عمق الإيقاع السري لعواطف أنثى ..
في هذه اللحظات الحادة الحرجة, جاءهما سعال الشيخ من الداخل .. ركضا نحوه معًا ..
كان واضحًا أنه في الرمق الأخير..
لما رآها قال : ‘سامحيه يا ابنتي.. لم يبق له إلا أنت.. ‘ واسلم الروح..
وجدت في كلمات الشيخ ذريعة وجيهة لتبرير فضح مشاعرها.. فانفجرت في بكاء يقطع نياط القلوب..
عند رأس الشيخ تعانقا ..
انتحب بين يديها كما يليق بطفل/ رجل يتيم ..
بعد شهرين تمامًا كانت الزغاريد ملء فضاء المخيم ..
كانت ليلة زفاف حسن وفاطمة.


من عرف الحب طريقه الى قلبه..لن يعرف الغل او الكره هذه الطريق لذاك القلب..الحب هو التعويذة التي تقي القلوب من ان يلبسها حقد او مكر …كثير من الشباب يركضون وراء احلام زائفة وبريق أخاذ لعلهم يجدوا هناك املا منشودا إما بالثروة او السعادة الواهية ..وغالبا ما يرجعون بخيبات وخسارات قاسية ومؤلمة..
هي لا تملك الا ان تسامحه..كيف لا وهو حب عمرها كله..بقيت وفية رغم بعده عنها..وعندما لفظه حضن الغريبة لم يجد سوى قلبها من يلجأ إليه ..
ترى هل يجد شبابنا العبرة في هذه القصة وغيرها من القصص المشابهة..؟؟
دمت صديقي بهذا التميز وهذا الإبداع..ودمت لأحبابك
يقولون ان وجد الحب تموت الكرامة,ولكن انا احيي كل امرأة تجعل كرامتها فوق كل شيء,
بينما ان سامحت من تحب هذا لايعني بأنك استغنيت عن كرامتك بل بالعكس انت امتلكت من تربع على عرش قلبك.فالرجل كالطفل يبحث عن الحنان دائما ويكون ملجأه الوحيد والاخير هو قلب المرأة التي يحب فكيف وان كان رجلا يتيما؟؟؟؟!
كل منا ذاق معاناة ما في هذه الدنيا ولكن على طريقته ,وكم هو جميل ان تجد ملجأ يحتضنك ويستوعبك انت ومعاناتك……
دام قلمك نابضا ياصديقي.
شكرًا أمل..
الست انا من كتب القصة ؟ لكن المشاهد الاخيره احزنتي حد الفاجعه .
عوفيت سالي..كلامك يستحق التأمل..!
صديقي..عندما اقرأ ما تكتبه من قصص أعيش مع أبطال الرواية واكون واحدة منهم..لقد رأيت المشهد أو المأزق.آلمني جدآ وأبكاني…لكن ألا ترى أن حظهم أكبر بكثير من غيرهم..؟؟ لقد عبر بحور عدة وفي النهاية رجع الى مينائه..وغيره ظل تائها غريبا ليس هناك من ميناء يرمي فيه رواسيه…او ينزل به شراعه….
لا تحزن, فحزنك يحزنني
دمت بتميزك وقلمك..ودمت لاحبابك
ما أجمل ما تقصه لنا
يحمل حكما بالغة الروعة
و يحكي كثيرا من الحوار الذي يدور بين المرء ونفسه
أعجبتني هذه
“ما أكثر الأشياء التي كانت في الأصل جميلة ونظيفة.. لكننا دنسناها بحماقاتنا, أو لفرط كبرياء زائفة فينا..!”
كـم هو نادر هذا حب فاطمة العفيف في أيامنا هذه..!
يقولون أن المراة اذا فشلت في الحب.. تعيش على ذكرى ذلك الحب..!
والحب زهرة ناضرة لا يفوح اريجها الا اذا تساقطت عليها قطرات الدموع..
رائـعة هذه القصة…وأخيـرا قرأت لـك قصة ذات نهاية سعيدة
استمـر أيها الصديق…عظيم ما تنسج لـنـا ..
دُمــت أيها المتألق دوما ..
لست بعابر سبيل في عيوننا .. بل ستظل كلماتك ملجأ لنا خلال أوقات هروبنا …
دمت مبدعا..
ماجد ..
مدونة لعيون لين ..
الغاليــــه بريق ..!
انا كيف اشكرك على مواظبتك ؟!
الغاليـــه رناد ..!
كيف انت ؟
اللواتي عرفتهن فشلن في الحب , رايتهن اتجهن إلى التطرف او التدين !!
ابقي قريبه ..
الغالي ماجد ..!
بارك الله فيك يا اخي ..
الغالي عابر سبيل: (كيفك؟؟)
أعتذر على التغيّب..
أذكر عندما نشرتَ القصة أول مرة.. كان هناك الكثير من الآراء المتناقضة, منهم من قال أن فاطمة تخلت عن كرامتها, وأنا كنت من هؤلاء الذي قالوا أن فاطمة هي مثال الفتاة القروية العاشقة.. التي تضحي بقلبها نعم, ولكنها لا تفقد كرامتها أبدا.. لقد سحرت حسن تلك العيون الخضراء.. وذلك الشعر الأصفر.. لكنه أدرك قبل فوات الأوان انه كان يحلم.. فاطمة لم تضحِّ بحبها! ولم تضحِّ بكرامتها, تعشق حتّى الرمق الأخير, وتخلص لحبّها ولو كانت هذه التضحيّة في سرها, ولا تفصح عنها لأحد, هذه هي الفتاة القروية, فتاة المخيم تلك!
حسن شأنه شأن الكثير من الشباب في هذه الأيام وقبلها.. ولكنه محظوظ جدا.. كون فاطمة في حياته!
أبدعت أيها الغالي.. أدامك الله
الغاليه نور ..!
أنا بخير يا صديقه ..وجودكم حولي يعطي للحياة طعمــًا ..
لا شك أن ” حسن” قد أخطأ , ليس بالضرورة خيانة ً بل ربما جهلا , او من قلة الحيله. كونه يعيش تحت الحصار , حيث الحياة لم تعد صالحه للحياه..
“فاطمة” فتاة رائعه , وفي قمة الحكمة.
إذ من الافضل لنا أن “ننال” حبيبنا التائب, العائد الينا نادمــًا , من ان نبكي عليه الدهر لانه أخطأ , بحجة الحفاظ على كرامتنا .. كما انه في العشق قد نضطر احيانــًا إلى تحييد كبريائنا بعض الشيء..
قصة سطر الإبداع تاريخها
وقفت كثيراً عند بعض الكلمات
- (ما أكثر الأشياء التي كانت في الأصل جميلة ونظيفة.. لكننا دنسناها بحماقاتنا, أو لفرط كبرياء زائفة فينا..! ) بالفعل وهذا مايؤرق النفس
- ( ألا يسعى أبدًا للجلوس فوق القمم التي يسهل السقوط منها.. ) جميلة تلك الحكمة وكأنها حديث قلوبنا الداخلي
- ( لكنها بكبرياء الأنثى تعرف أن المرأة قد تضحي بكل شيء لأجل رجل تحبه, لكنها قد تضحي به نفسه, لقضية تتعلق بكرامتها ) هي كذلك !
- ( حاول أن يعتذر .. أن يقول شيئًا .. ولكن هربت من على شفتيه كل الكلمات.. ) أقسى لحظة لحظات الصمت الملئ بالكلام.. لكنه خُرس حينها
“قصة نهايتها سعيدة أدام الله تلك النهايات ”
دمت مبدعا متألقا, فحرفك شامخ حد الأفق…
ماشا الله عليك..
رائعه فى تسلسل الاحداث..
الاخ الكريم عابر .. (ولست بعابر , فلك بصمه تميزك).
“وقفت أمامه تجلل رأسها كبرياء الخاسرين”
لماذا خاسره ؟؟؟؟
هي لم تخسر . هو الذي خسرها وخسر سنوات جميله كان من المفروض ان يقضيها بالقرب منها
ومن والده الذي جاءه متاخرا ..
اما هو فلم يحصّل في غيبته اي شيء مهم . بالعكس خسر كرامته وطرده امراه عندما وجدته قد اصبح “مستهلكا” …
لي ملاحظه اتمنى ان تاخذها برحابة صدر ..
في ردك للاخت رناد تقول “اللواتي عرفتهن فشلن في الحب , رايتهن اتجهن إلى التطرف او التدين !!”
بالنسبة للتطرف فانا معك ان ليس منه فائده , بل كله شر ..
ولكن ماذا تقصد من اتجاههن الى التدين .؟؟؟؟
الانسان عندما يحب تكون مشاعره رقيقه وشفافه ويرى الحياه جميله
وحتى عندما يفشل الحب يبقى قلب المحب في داخله وكذلك مشاعره الرقيقه .. فيكون اقرب الى الله ..
ويعرف انه لن يساعده في هذه المحنه الا الله .فالقرب من الله انس
هذا المنطق من وجهة نظري ولا ادري ماوجهت نظرك فيها.
مشكور على القصص المعبره
أخى الفاضل: عابر سبيل
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تقبل تقديرى لقلمك المبدع الراقى
والذى دائماً مايقدم لنا صورنا لشرائح
بشرية قد لانعرها ولكننا مع قلمك نعيش
معها آلامها وأفراحها….
الغالية ذكرى..!
بوركت وعوفيت ايتها الغاليه..
لا تحرمينا طلتك ابدا ..
همسة حزن..!
كل الشكر والامتنان على مرورك..
الغاليه بوح ..!
تحياتي ..
جميل بوحك..
ان لم يقبل مثلي الملاحظات , فمن ؟!
سارد على تساؤلك لاحقًا , ربما من خلال تدوينة مستقله !!
فترقبي..
الغالي محمد ..!!
بارك الله فيك يا طيب.. يشرفني دائما مرور امثالك عندي..
اخي عابر ..
وان غداً لناظره قريب ..انتظرك
قصص قمة في الروعه
أسجل أعجابي فيك وفي سردك للقصص
الغالي فارس..!
وانا اسجل شكري وامتناني لك ايها الاخ..
يــــــاه ,,
ما هذا يا عابر ؟؟؟
ملك الكتابة انت ,,
الغاليه ليلة !
شكرا جزيلا على المرور والتعقيب يا مقمره !!