* وفــاء الرجـا ل .. ! *
بقلم : عابر سبيل
غريـبــًا سوى عن إصراره .. وحيــدًا ما عدا من خوفــه .. عاريــًا إلا من شبه عبــاءة خضراء داكنه تستر بالكاد بعضــًا من جسده , ثبتت من وراء عنقــه بخيطين رفيعين كمريول الطباخيــن .. انكمش في السرير وقد سرت برودة الغرفــة المكيـّـفه بقوة في أوصاله ..
وحده قلبــه واصل الخفقان بعنف , كأنه صحا لتوه من حلم مرعب , أو فرغ من سباق ..
حين حرك يمناه وقعت على ملف ذي جـِلدة بلاستيكية سوداء , ملقى إلى يمينه على طرف السرير .. تمعن في تواقيعه على الاوراق كما تم أخذها منه منذ أيــام , ثم أعيد التأكيد عليها هذا الصباح .. أعاد الملف إلى مكانه وغرس عينيه في سقف الغرفــة..
ذات مساء , قبل أعوام طويلة مضى .. لملم شظايــا حلمه من تحت أشجار التفاح , التي شهدت ميلاد حبــه الأول , في الكروم الممتدة غربــًا .. وعند أطراف القريــة , حين كانت الشمس ترحل .. توقف هنيهة ً .. ألقى نظرة عجلى على الأطفال في الأزقة .. رفع عينيه نحو مأذنــه الجامع القديم , فرنت إليه حدقات صغيرة لعصافيــر الدوري التي تأوي هناك كل مساء .. أثقلت رأسه الكآبــة , وتمتم بشىء كأنــه كان يقسم أنــه لـن يعـود …
ولــم يــعــد .. وعاش عمره على سفر .. وقلبــه في صحراء ..
توقف فجــأة كمن اعترضت طريقه هاوية .. عاد خطوتين للوراء , ليحدق في وجــه المريضة النائــمة على السرير الذي اجتازه ..
لـــم يصـدق عينيه .. رفع الاوراق المعلقه على حافــة السرير , فأكتمل ذهوله .. إنها هي , وهذا اسمها مدوّن بالكامل ..!!
تراخت يده عن الاوراق وعــاد يتأمل الوجه الغافي , كما لم يفعل من قبل .. دنـا عنـد رأسها , فاشتعلت في قلبــه الذكريات , وباغتــه شعور هائل بالحنـين .. هــم ّ أن يمرر راحته على جبينها , لكنه في آخر لحظة تماسك .. كم حارق يكون الشوق حين يصطدم بالمستحيل .
ســنين كثيرة لم تغيــر فيها كثيرا .. كــان وجهها شاحبــًا , لكنــه مع ذلك , ما زال جميلا ورائــعــًا .. بعض تجاعيد وسواد بسيط تحت العينين , لا أكثر ..
ماذا تفعل هنا ..؟ ممــّا تشكو ..؟
شده صديقه الجـرّاح , نائب رئيس قسم الامراض الباطنية , برفق من ذراعــه حتى ولجا مكتبـه الصغير , معتذرًا : لم أقصد تركك تبحث عني في غرف المرضى .. انتظرتك طويلا في مكتبي , ولما مللت قلت أجري جولــة تفقدية عند الحالات الحرجــه .. سأطلب قهـوة لكلينا , وبعدها اعرض عليك الموضوع القانوني الذي دعوتك كي أستشيرك فيه .
- حسنـًا .. حسنـًا .. سأكون في خدمتك .. سأسمعك طول اللـيل , فلست مستعجلا إلى أي مكــان .. قل لي قبل موضوعك : المريــضة على السرير الاول من اليسار في غرفــة رقم 4 , ما قصتها ؟
- آه .. تقصد :………..ولــم َ تسأل ؟
- لا عليك , قل فقط !
- مسـكيـنة .. ! هذه يا سيدي تعاني من فشل حاد في الكلى .. تنتظر عملية زراعة .. ترقد عندنا بين الحين والآخر لتلقـّي علاجات مؤقته ..! وما دمت قد سألت , فحالتها والله حرجة للغايــة ووضعها يزداد تدهورً ا مع الأيــام ..!
- وماذا يؤخر الزرع ؟
- يا سلام !! بهذه البساطة ؟ وأين المتبرعين ؟ عليها أن تنتظر دورها !
قام من مقعده, وعاد ليقف على باب الغرفة رقم 4 .. كانت ما تزال نائــمة .. تساقط نور المصباح الخافت على وجهها , فبدا مشرقــًا في العتمــة , كــأنه الأمل .. تذكر عبارة كانت قد ختمت بها آخر رسالة منها ” أحس أنني مريــضه .. أشعر أنني سأموت .. أخاف أن يحدث لي شيء قبل أن أراك” !!
لم يأخذ الامر يومها على محمل الجد .. ظنها مجرد مبالغــة لامرأة صغيرة عاشقه ..
عاد مسرعــًا ليسأل صديقه : إذا تم العثور على متبرع خاص , فهل تجرى لها العملية سريــعــًا ؟
- بصراحــة كنت قد تحدثت مع زوجها ومع أخيها في هذا الموضوع .. قالوا إن العائلــة تبذل جهودًا في هذا الإتــجاه , لكن لا شيء .. عمومــًا إذا حضرت الكليــة فسينتهي الأمر خلال أسبوع .. هي مصنفة أصلا ضمن الحالات المستعجلة ذات الأولويــه .. ولكن ألا تـفـهـّـمـنـي !؟
بكى في سره بمراره …
“زوجها ” !؟
في الشرق نساء متزوجات من اثنين ; واحد تزوج الجسد بفعل ورقة رسمية , وآخر تزوج الروح بفعل رغبــة حقيقيــه !!
“أخوهــا ” !! أخوك لا يكون بالضرورة ذاك الذي ولدته أمك !!
عاد يقول لصديقه : ستفهم .. ستفهم .. ولكن سيكون للمتبرع شرط واحد . أن يحفظ الامر بسرية مطلقه , وألا تـُكشف هويته لأحد ..!
- ما أهونـه من شرط . اتفقنا ..!
صوت هامس لممرضة شقراء استرجعه من رحلته عبر محطات الزمن الغابر .. قالت وعلى شفتيها الرقيقتين ابتسامة أموميــه : بالنجاح ! سنأخذك إلى المحطة قبل الأخيرة , أقصد غرفة التخدير . بعدها ستكون بين يدي صديقك في غرفــة العمليات ..
جاءت ممرضة أخرى فجـرّتا سريره إلى غرفة صغيره , هناك ســأله خبير التنويم ما إذا كان يفضل التخدير استنشاقــًا عن طريق الأنف , أم بحقنة في الشريان ..
أحس بخـوفه يتضاعف .. تذكر حالات عديدة قرأ عنها لأناس تم تخديرهم , ولكنهم لم يفيقوا بعدها أبــدًا ..كيف لـم يخبر أحدا من أهلــه أو أصدقائه ؟ أليس من الممكن أن يموت .. ؟!
ولماذا يفعل الذي يفعلــه أصلا !؟
لو كانت الصورة عكسية , هل تراها ستفعل الأمر ذاتــه ؟ أليس يقال إن النساء أكثر شجاعة في الحب من الرجال ؟ وإن حبهن أشد عنـفًا وعنفوانــًا ؟!
شعر بالخجل من نفسه لمجرد أن تمر بفكره مثل هذه التساؤلات , فمنذ متى يقيس العشاق المسائل بهذا الشكل ؟! ثم أليس هو من كان يردد دائــمــًا أن من علت همته طال همه ! وما دام معظم الرجــال يضعفون أمام شهواتهم , فماذا يضيره أن يضعف هو أمام حبــه ؟!
ظن خبير التخدير أن الخوف هو ما يحول بينه وبين الاختيار .. قـرب حقنة صغيرة من باطن ذراعه وغرسها هناك ..
أراد أن يوصيه ليطلب إلى صديقه , أن يخبرها بهوية المتبرع , لو أنه مات ..
لكنه غاب عن الوعي ..!!


لقد غصت في أعماق القصة, وصحوت على نهايتها التي تحتاج لنهاية اخرى,
ولكنها هكذا جميلة.
تحياتي
:
اخي عابر سبيل ، يبدو تميّزك وابداعك بلا حدود -ربي يحميكـ- ! قصتك تترك الكثير لخيال قارئ ، كيف اجتمعا ولما كان الفراق..؟ لمّا وجدها بعد طول غياب .. أوجدته هي أم ..؟
.. ثم “مستحيل” هو ، كان ما يزال على العهد .. كان وفيا لها حد الموت..!
.
لن أسأل لمَ كان الفراق..ولكن الانسان خلق بطبعه لا يعرف قيمة ما بين يديه الا بعد فقدانه..!!
قد رجته ان يرجع ولكنه ابى وظن ان في كلامها المبالغة..فقدت حياتها بعده وعندما عاد ، منحها جزء منه فرد ّلها حياة اخرى لا اعلم ان كانت تعوزها ام لا…!!!
شوقه لها واجه مستحيلا فازداد شوقا..وشوقها له واجه واقعا فازدادت الما…
قصتك جدا رائعة يا عابر..تحمل بين طياتها عبارات رائعة تستحق ان تروّس في زاوية” جمل اعجبتني”…
دمت بتميزك وقلمك …ودمت لاحبابك
عابر
الفكرة مجنونه ,,, الاسلوب ساحر ,,, واللغه رائعه!
تستحق ان تقرأ بحق
شكرا لك
اخي الكريم عابر سبيل .
قصه صيغتها الادبيه جميله جداً واحداثها اجمل .
شدتني من اول لحظه وانا اقرائها كما عودتني قصصك دائماً
جميل هو الوفاء ياخي .والاجمل ان يضل حبك في قلب بعض الناس حي لايموت .
ليت مثل هذا الحب موجود بيننا …
دمت مبدعاً ياعابر ..
الغالي فؤاد ..!
اهلا بك في عالمي ..
والف شكر لك على التوقيع عندي !!
الغاليــه رووح ..!
أتعمد في قصصي أن أترك لقارئي مساحة واسعة , ليشاركني في صياغة الاحداث , وإلا فكيف أضمن تفاعله ؟!!
كم احب دعواتك يا صديقه !!
دمت
الغاليــه أمل ..!
لطالما أحببت طريقة تحريرك لتعقيباتك !!
تصرين دائــمـًا على الغوص عميــقًا في النص , إلى حد اتخاذ موقف , من الاحداث والشخصيات , فتصطفين إلى جانب هذه .. وتقفين في وجــه تلك !
هذه , بالمناسبة , صفة القارىء الذي يقرأ ” من كل قلبــه ” .
بالمناسبة مرة أخرى : كأنك تفترضين أحداثــًا لم يتم تقريرها في النص !
فهل صحيح أنه كان قد فارقها في حينه , مختارًا , ولأنه لم يقدر يومها قيمتها ؟ النص لا يوحي بذلك , ولا بعكسه !!
وهل لنا أن نجزم بوجود علاقة يقينية بين تلك العبارة التي وردت في رسالتها الاخيرة , وبين مرضها الحالي ؟ أنا لا اعرف !
لماذا تشككين في مدى احتياجها لحياة جديده ؟
فهل أحد يكره الحياة يا صديقه ! خصوصا حين يكون هذا “الاحد” عاشق مفارق ؟!
هذا بالذات يعشق عمره , لأنه يحس بمعناه , بوجود شيء ينتظر حدوثــه !!
شكرا لك على الاطراء الذي اعتز بــه كثيرا كثيرا ..
قارئة الفنجان ..!
هذا الذي كتبته يقيني أم قرأتــه فقط في فنجاني ؟!
شكرا من الاعماق
داومي قراءتي ..
الغاليــه بوح ..!
تعرفين احسن تعقيب يستقبله كاتب من قارىء ؟
ذلك عندما يقر الاخير بأن الأول قد نجح في ” الامساك به ” إلى ان فرغ من قراءة كل ما كتب !! وربما اعاد القراءة مرة اخرى !
اما عن تساؤلك ما إذا كان مثل هذا الحب المعروض في اقصوصتي موجود اليوم ام لا , فأقول فقط :
كوننا نكتب عنه , نقرأه , ونعقب عليه , فذاك دليل على اننا كلنا نحبه .. نتمناه .. ونحتاج إليــه !!
ابقي قريبه ..
جميلة هذه القصة لما تحمِلُهُ من أمل رقيق , يُزرعُ في قلوبنا لمجرد معرفتنا أنّ هُناكَ بطلاً خياليّاً / رجل / يضحي لأجل محبوبته السابقة ب / كلية / ..
تكاد تكون القصة بالنسبة لي شبه مُستحيلة ,,,
غالباً ما تكون الظروفُ أقوى من اتخاذ القرارات العاطفية إن كانت قرارات نسائية أم رجالية , هي شهامة بالفعل
و لكن قلّ مثيلها ..
أسلوب جميــــل , شدّني بحقْ .
تحيــة .
عزيزي عابر…
شكرا لردك الجميل كما عودتنا دوما..
ضحكت من أعماقي إذ صحوت على كلماتك “بأنني افترض احداثآ لم يتم تقريرها في قصتك…!!!” هذا بالفعل لانني أقرأك بقلبي..اعايش احداثا من الممكن ان بها جزءا مني..
بعض الناس _ يا استاذي _ يقرأون القصة ويعيشون احداثها بكل واقعية حتى انهم كثيرا ما يبكون او يضحكون مع ابطالها وفقا لتتابع الاحداث..وهذا بالضبط ما يصنف الكاتب من حيث روعة ما يكتب وشدة ترابطه مع المتلقي..
شكرا لإطرائك الذي اعتز به ما حييت..واعذر لي تدخلي في حياة ابطالك او تقمص شخصيتهم ولو للحظات…
دمت بكل السعادة والحب
جميله ومشوقه
ابداع في السرد والتفصيل
تقبل مودتي
اهلا عابر..حزن اخر ووجع يمتد من هنا الى هناك و يترك الاهات تترد صداها..
القصة معبرة بصدق ان كانت خيالية..موجعة بعمق ان كانت تتنفس الواقع..على العموم كن بخير
اخوك
أخى المبدع القدير: عابر سبيل
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
دائماً تحسن اختيار شخوصك
وتتقن اقتناص اللحظة المناسبة فى الوقت المناسب
دمت مبدعاً
ودامت شخوصك تقدم لنا العبرة
تقديرى واحترامى
أخوك
محمد
الغاليــه رنــا !!
“غالباً ما تكون الظروفُ أقوى من اتخاذ القرارات العاطفية إن كانت قرارات نسائية أم رجالية ”
اصبت كبد الحقيقة يا صديقه.. ولكن هل اكشف لك سرا صغيــرا ؟
القصة حقيقيه !!!!
الغاليــه أقصوصــه ..!
شكرا لك وبارك الله فيك ..
الغالي نوفل ..!!
في العمر ومضات ضوء يا صديق , برغم الظلام ..!!
اهلا بك دوما
الغالي محمد ..!
بارك الله في ابن ارض الكنــانة , المدون النشط والمميز !!
يغيب هوّ عن الوعي ليترك قلبي معلقاً!
لقد سرت قشعريره بارده في جسدي
حتى خلت نفسي قابعة هناك اتنفس الالم ..
تذهلني دائماً بروعة حروفك..
تحياتي
الغاليـه ليدي.!
وماذا في ذلك , فقلوبنــا جميعها معلقه !!
بعضها على أمل ,,,
واخرى على مشنقــه !!
اهلا بك
الغاليـــه بريستــيج ..!
تذهليني دائمًا بعمق التفاعل ..
دومي بخير..
الغاليــه أمل..!
كأنك واحدة من بطلات قصصي ..ا
مررت للمرة الثانية .. أو الثالثة
كلية واحدة فقط .. خذي عمري
الغالي أحمد .!
أيـّها المجبول من طينــة الحب .. ويــح أمك , قد يطول عليك أساها ..!
كيف قالوا بني ‘ عذرة ‘ انقرضوا ؟ !
ما أراك إلا واحدًا من فتيانهم !!
هو الواقع ..
ألمـ ينسج نفسه مع أمـل , لتكتمل لوحة من خيوط الحب
وقصة من قصص التضحية ..
بعض الناس يبحث عن الذات وراءهـا ..
بعضهم الآخر يعلنهـا انتفاضة لقصة حب ضحى من اجلهـا .
بوركت
الغاليـه غريبـــه ..!
حين يحب المرء فإنــه يتصالح لا مع ذاتــه فحسب ,, بل ومع الناس كلهم ,, لأن ذهنــه وقلبه ينشغلان بحب من يحب , حتى لا يظل فيهما متسع لكراهية او لحقد او لحسد ..
كلما اشتدت عليك ِ وطأة الغربــة ,,
تعالي ,,
فهنا وطن لكل الغربــاء
عندي ..!
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
اخي عابر سبيل(لا تاخدني ما كنت اذكر سبيل قبل!)
اسلوب سخي..كلمات قاتلة..كلمات ساحرة..وصف رقيق..مذهل..
بصراحة غير قادرة على تمالك نفسي..دموعي جارية بلا توقّف قصة مؤلمة رقيقة في غاية الرقة والطهارة والبراءة..
بكلماتك وبحسك المرهف..اضفت لها لمسة خاصة ووقع جذاب..
اقرأ وأقرأ لك كلماتك السخية الغير مقيدة تجعلني اعيش كل اللحظات من الم وفرح وذكريات …
كل الاحترام رضى ربي عنك وعليك..
تقبل مروري.. في امان الله
مدونتي:www.nihalassi.com
الغاليه زهرة ..!
لك مني اعتذار لأنني أجريت من عينك دمعـــه ..
ولي منك فخار لأنني أشعلت في قلبك شمعــه ..