* كلمة إلى القضاة في دعاوى الميراث *
بقلم : عابر سبيل
إن الظلم ، ومعناه الجور والغبن والحيف والبغي وانتقاص الحق بغير حق، لهو من أشنع العادات التي تعاطتها المجتمعات الجاهليه ، قديما وحديثا ، على الرغم من كونه رذيلة تنفر منها الفطرة السليمه، وتمقتها الطبيعة السوية.
أما الاسلام الحنيف فقد اعتبر الظلم موجباً للنقم وسبباً لزوال النعم واندثار الامم, ولهذا حرّمه بالكلية وصنّفه ضمن الكبائر المهلكات، حتى لعن الله عز وجل آتيه، وتوعده بسوء العاقبه، فقال تعالى:
“ ألا لعنة الله على الظالمين” (هود آيه 18) .
بل إن الخالق سبحانه قد شبّه الظلم بالشرك، والعياذ بالله، فقال:
” إنّ الشركّ لظلمٌ عظيم ” ( لقمان آيه 13) .
والظلم في نظر الاسلام وباءٌ اجتماعيٌ ذو انعكاسات متعدية . بمعنى أن جزاءه ، حين يأذن به الله، قد يطال الجماعة بكاملها ، إن هي لم تضرب على يد الظالم وتردعه ، فقال عز من قائل :
” واتقوا فتنةً لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خآصةً واعلموا أن الله شديد العقاب” ( الانفال25 )
“ وكم قصمنا من قريةٍ كانت ظالمةً وانشأنا بعدها قوما ً آخرين ” ( الانبياء آيه 11)
” فكأيّن من قريةٍ أهلكناها وهي ظالمةٌ فهي خاويةٌ على عروشها وبئر ٍ معطلةٍ وقصر ٍ مشيد ” ( الحج آيه 45 )
ومن الواضح أن الظلم المُعَاقب عليه المذكور في الآيتين الكريمتين من سورتي الانبياء والحج وأشباههما في القرآن ، ليس بالضرورة أن يقع من أفراد ” القرية ” جميعهم ، إذ أن هذا قد يكون مستحيلاً أصلا، ولكن المقصود هو أن يظلم البعض ويسكت عنهم الآخرون ، فيكون السكوت على الظلم كالمشاركة فيه، فيحق عندها العذاب على الجميع !
أما في السنّة المطهرة فوجدنا مبدأ ً جليا ً لترسيخ مفهومٍ مفاده أن ألعدل ، وهو ضد الظلم ، عماد عليه قامت السماوات والارض، فعنه صلى الله عليه وسلم : ” اتقوا الظلم فان الظلم ظلمات يوم القيامه “( رواه مسلم)
” من ظلم قيد شبر من أرض طُوّقه يوم القيامه” ( متفق عليه)
” من اقتطع حق امرىء مسلم أوجب الله له النار وحرّم عليه الجنة ” فقال رجل : وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله ؟ فقال : ” وإن قضيبا ًمن أراك” (رواه مسلم ).
وعند شيخ الاسلام الحجة أحمد ابن تيميه رحمه الله قرأنا في الفتاوى: ” ان الله قد ينصر الدولة العادله وان كانت كافره ، على الدولة الظالمه وان كانت مؤمنه “
وأما سيد الحفاظ وشيخ علم الحديث العلامه سفيان بن سعيد الثوري، عليه رحمة الله ، في وصيته المطولة الى علي بن حسن السليمي فقد كتب، من ضمن ما كتب : ” إجتنب الحرام ولا تجلس مع من يكسب الحرام، ولا تأكل مع من كسبه من حرام ، ولا تدل أحدا على الحرام ، ولا تشيرن الى أحد فيأخذه ، ولا تورثه الى أحد ، فإن فعلت من ذلك شيئا فأنت عون له, والعون شريك. يا أخي اياك والظلم ، وأن تكون عونا لظالم ، وأن تصحبه أو تؤاكله أو تبتسم له ، أو تنال منه شيئا ً فتكون عونا له , والعون شريك..” ( حلية الاولياء ، ج 7 ص. 24 – 25 ).
وإذا كان هذا هو القول في الظلم على إطلاقه ، فما بالك حين يكون الظلم واقعا على الضعفاء , كاليتامى أو النساء ، لعجزهم وقلة حيلتهم ، وقد أوصى الله ورسوله برعايتهم وحفظ حقوقهم ، وحذرا أولياءهم واقرباءهم من الاعتداء على أموالهم ، كقوله تعالى : ” إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ً انما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا ” ( النساء آيه 10 ).
وما دام الظلم مرفوضاً من الغرباء ، فهو من الاقرباء أو ذوي الأرحام، من باب أولى، وقديما قال الشاعر :
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند
لقد كان أهل الجاهليه لا يورّثون الانثى ولا الصغير، ويقولون : أنعطي أموالنا من لا يركب فرساً ولا يحمل سيفاً ولا يقاتل عدواً ؟ بل لقد كان الرجل اذا مات وترك زوجة ، جاء أكبر أولاده من غيرها فألقى عليها ثوبا وتزوجها على المهر الاول ، أو زوّجها لمن شاء وقبض مهرها ، على اعتبار أنها مجرد سلعة ضمن تركة أبيه ، يتصرف فيها حسبما يشاء !
أما الاسلام ، هذا الدين الذي ليس عند الله مثله ، فقد أبطل هذا الحكم القبيح بقوله تعالى:
“يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كَرها ً” ( النساء آيه 19 وانظر ” اسباب النزول” للامام السيوطي طبعة دار الفجر بالقاهره لعام 2002 – ص 111) ، وأقر للانثى نصيبها من الميراث ، في آيات بينات هن اساس علم الفرائض ، من سورة النساء.
فما بال مجتمعنا الاسلامي تخلى عن منهج الله , لينفخ الروح في رذائل الجاهلية، حتى لا تكاد تجد طلباً لإصدار حجة إرث في محاكمنا الشرعية الا وقد أرفق ب” ورقة” تفيد بأن ألاناث من ورثة المتوفى يتنازلن عن نصيبهن في التركة لصالح الورثة الذكور ، فيصادق القاضي على هذه “الخروج ” من التركة , من غير كثير سؤال أو طلب جواب !!
أما آن ألاوان لكي نسلك منهجا أكثر جدية في تعاملنا مع هذه المسألة ، التي فتحت علينا ، هي وامثالها ، أفواه الذين يتربصون بنا، من اهل الزيغ والملاحدة ، للطعن في ديننا وشريعتنا ، لكي نتسآئل حول الدوافع الحقيقية وراء تصرف ٍ يخالف الغريزة والفطرة البشرية ، عند النساء كما هي عند الرجال ، في حبها للملك وتمسكها بالحقوق الشخصية ؟!
أوتشذ الانثى عن هذه الجِـبّـــلة لمجرد كونها أنثى ؟!
وهل نجانب الحقيقة لو قلنا أن جميع تلك “التنازلات “، المأخوذة من الاناث بالذات إنما يتم تحصيلها بفعل ضغطٍ اجتماعيٍ خفيٍ ، يمارسه مجتمع الذكور على الاناث من أخوات أو أمهات ؟
يموت الاب مثلاً فيعتبر الاخوة تنازل الاخوات عن حصصهن في التركه قضية بديهية ومفهومة ضمناً، وتوقّع الاخوات على “ورقة” تُقدم لهن ، ظاهريا برضا ورغبة ودون اكراه ، وفي الحقيقة حياءً – أوليس ما أخذ حياءًً حرام ؟ – أو افتقارا ً إلى الجرأة الكافية للخروج عن المألوف – اذ كلهم يفعلون ذلك – أو خوفاً من تعكير العلاقات مع الاخوة أو العائله !!
إن المسلم مطالب بالاحتياط لدينه والاستبراء لذمته. ويكون هذا من خلال إتقاء الشبهات وترك ما يريب إلى ما لا يريب ، لأن القاعدة تقضي بأنه ” إذا اجتمع الحلال والحرام غــُلــّب الحرام “.
وإذا كان هذا هو الحال بالنسبة للمسلم العادي ، فكيف إذا كان هذا المسلم قاضياً ألقيت على كاهله مسوؤلية لا تكاد تقوم بها الجبال الراسيات ، لما فيه من الخطورة العظمى؟!
وما دام الامر كذلك , فلماذا إذن لا يأمر القاضي المسلم – محاولة منه للتمسك بحبل النجاة ما استطاع – بمثول أولئك النسوة ” المنسحبات ” امامه ، ليس لتأليبهن على اهلهن، ولكن ليشرح لهن حقوقهن وليتيقن بنفسه من الدوافع الحقيقية وراء تنازلهن عن حق ثابت بالكتاب والسنة واجماع الامة، وليفهمهن أن بإمكانهن ان يقلن “لا”، دون أن يخالفن بذلك شرعا أو دينا ً ؟!
إننا جميعاً مطالبون اليوم أكثر من اي وقت مضى ، باحتضان نسائنا وبناتنا وإلا والله لَيحتضنهنّ آخرون من الذين يقفون وراء تنظيمات نسوية مشبوهه ، ظاهرها المطالبة بحقوق النساء , وباطنها نية خبيثه لتمزيق المجتمع المسلم, ونقض عرى الاسلام عروة عروة ، لسلخ المسلمين عن دينهم وحضارتهم ، من خلال حسن استغلال تلك الجهات لتقصيرنا ، والنفاذ إلى مجتمعاتنا من خلال ثغرات نحن مسؤولون عن فتحها، من أجل إشاعة الاباطيل الزاعمة أن تردي أوضاع المسلمين على كافة الاصعده ، مرده الاسلام كدين وعقيده !


الله يزيدكـ من فضله وينفع امتنا فيك يا خي..
..
جميع ما قلته صحيح جدا جدا ومقنع.. لكن بما اني “حالة خاصة” فعن نفسي اقول.. يرضيني ان لا ارث شيئا ، ولن اقبل بغير ذالك ، انوي و”أخطط” لأن اكتفي بقوت يومي وفقط.
إننا جميعاً مطالبون اليوم أكثر من اي وقت مضى ، باحتضان نسائنا وبناتنا وإلا والله لَيحتضنهنّ آخرون من الذين يقفون وراء تنظيمات نسوية مشبوهه ، ظاهرها المطالبة بحقوق النساء , وباطنها نية خبيثه لتمزيق المجتمع المسلم, ونقض عرى الاسلام عروة عروة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أخى الفاضل: عابر سبيل
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
صدقت أخى …
وياليتنا ننتبه
اخي الكريم عابر سبيل ..
إننا جميعاً مطالبون اليوم أكثر من اي وقت مضى ، باحتضان نسائنا وبناتنا وإلا والله لَيحتضنهنّ آخرون من الذين يقفون وراء تنظيمات نسوية مشبوهه ، ظاهرها المطالبة بحقوق النساء , وباطنها نية خبيثه لتمزيق المجتمع المسلم, ونقض عرى الاسلام عروة عروة ، لسلخ المسلمين عن دينهم وحضارتهم ، من خلال حسن استغلال تلك الجهات لتقصيرنا ، والنفاذ إلى مجتمعاتنا من خلال ثغرات نحن مسؤولون عن فتحها،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اصبت كبد الحقيقه ..
في التدوينه اليوم خلعت عنك رداء الاديب ولبست رداء المحامي .وجميل ماكتبت اليوم هنا ..الحقيقه ان كثير من النساء من باب الخوف وعدم حدوث مشاكل في الاسره تتنازل عن حقها وهي تكون بحاجه له وترى بحسره زوجات الاخوه يرفلون بحقوقها .
لن اتحدث عن الاخوه لانهم رضوا بالظلم لكن المراه يجب ان تكون قويه محافظه على ماوهبها الله واذا تنازلت اليوم عن ارثها ستطول قائمة التنازلات ولن تنتهي .
امر مؤلم مايحدث فيجب ان يكون هناك وعي للمرأه قبل حدوث الكارثه وقبل ان تنعق الغربان في مجتمعنا ..
لكن الذي اتعجب له اين دور القاضي وكيف يرضى لنفسه ان يمرر امر عظيم بمثل هذه السهوله
لك الشكر عابر …ودمت بخير
العزيز عابر سبيل
نحن مطالبون باحتضان نسائنا وبناتنا واعطائهم حقوقهم كاملة غير منقوصة كما جاء فى الكتاب والسنة.
شكرا لك على هذا المقال القيم المفيد
ذكرهم ياعابر السبيل فإن الذكرى تنفع …….
تحياتي لك
فان الظلم ظلمات..
مرحبا يا عابر سبيل
لقد اعجبتني مدونتك ( عابر سبيل ) كثيرا و لقد اعجبتني جميع مواضيعك كثيرا من زيارتي الاولى في مدونتك انا اقدم لك جزيل الشكر.
فتاة الاحلام
السلام عليكم..
المشكلة أننا أحيانا كثيرة نظلم دون أن نشعر أو يراودنا شعور بخلل ما ارتكبناه نحن..
باعتقادي أن المشكلة الأكبر هي تلك الظلمات التي نرتكبها دون أن نعيها ..
الغاليــه رووح ..!
تريدين الخروج من الدنيا كما دخلتـِها .. تلك سبيل السائرين إلى الله ..
هنيـئـًا لك ..!
الغالي محمد ..!
شكرا لك يا طيب ..
الغاليــه بوح ..!
المشكلة في اعتقادي حضارية , ذات علاقة بانماط التفكير السائدة في مجتمعاتنا !!
الغاليــه دانتيلا ..!
ليس الخلاف على المبدأ يا صديقة , المشكلة ان بين النظرية والتطبيق بون شاسع ..
الغالي فؤاد ..!
ساواصل قرع آذانهم ولو قالوا : في آذننا وقر !
الغالي نوفل ..!
شكرا لك على المرور
الغالية فتاة الاحلام ..!
من صميم القلب اشكرك ..
داومي المرور عندي
الغاليه ميساء ..!
اختلفنا !
ليست المشكلة ولم تكن في الاخطاء التي تقع سهوا او جهلا انما في تلك التي تقترف عمدا مع العلم بحقيقتها او حرمتها !
الله يوفقك يا عابر سبيل في حياتك انشاء الله
قد خط قلمك من اجمل الكلمات في هذا الموضوع
و جزاك الله خيرا
إسلاميات – كلمة الى القضاة في دعاوى الميراث …..
* كلمة إلى القضاة في دعاوى الميراث * بقلم : عابر سبيل إن الظلم ، ومعناه الجور والغبن والحيف والبغي وانتقاص الحق بغير حق، لهو من أشنع العادات……